السيد عبد الأعلى السبزواري

25

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

و ( يبطئن ) من بطأ وهو التأخر عن الانبعاث في السير ، والتبطّي يطلق على البطء والإبطاء معا ، والإتيان بصيغة التشديد لما عرفت آنفا من تمكّن عملية الإبطاء في نفوسهم واستحكام هذه الصفة فيها . قوله تعالى : فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ . بيان لسوء سرائرهم وضعف نفوسهم ، فإنّه في حالة الخوف يجهد نفسه عندما يهرب ولم يصبه ما أصاب المؤمنين من قتل أو جرح . قوله تعالى : قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً . أي : حاضرا معهم فابتلي بمثل ما ابتلى به المؤمنون ، وهذا القول منهم يكشف عن عدم ثبات الإيمان في قلوبهم . ومثل هذا القول يصدر عن كلّ من ضعف الإيمان فيه . قوله تعالى : وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ . من النصر والغنيمة ونحوهما ، وفي نسبة الفضل إلى اللّه تعالى دون المصيبة ، مراعاة لحسن الأدب مع اللّه جلّ شأنه . قوله تعالى : لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ . جملة معترضة بين القول ومقولة من كلامه عزّ وجلّ ، وفيها التفاتة تدلّ على زيادة قبح فعلهم ، وضمير الخطاب للمؤمنين ، وضمير الغيبة للقائل ، أي : ليقولن قول من لا تجمع بينه وبينكم أيّة مودّة ولو كانت ضعيفة ، فإنّها لو كانت ولو على هذه الدرجة لكانت مانعة عن هذا التمنّي ، فإنّ الإيمان من أقوى الروابط وأحكمها ، ولضعف هذه الرابطة فيهم لا يرون لأنفسهم أيّة رابطة أخرى تربطهم بالمؤمنين ، فيتمنّى الأجنبي ما لأجنبي آخر من الفضل . وإنّما أدرج عزّ وجلّ هذه الجملة بين القول والمقول ؛ لئلّا يتوهّم أحد أنّ تمنّيهم المعيّة مع المؤمنين ليس لأجل النصرة والمظاهرة على ما تقتضيه العادات والتقاليد في تلك العصور ، بل كان لأجل الحرص على حطام الدنيا .